ابن رشد
374
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
على أن حق الله هو القتل والصلب وقطع الأيدي وقطع الأرجل من خلاف ، والنفي على ما نص الله تعالى في آية الحرابة . واختلفوا في هذه العقوبات ، هل هي على التخيير أو مرتبة على قدر جناية المحارب ؟ فقال مالك : إن قتل فلا بد مقتله ، وليس للامام تخيير في قطعه ولا في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه . وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف . وأما إذا أخاف السبيل فقط فالامام عنده مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه . ومعنى التخيير عنده أن الامر راجع في ذلك إلى اجتهاد الامام ، فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير ، فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه ، لان القطع لا يرفع ضرره . وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف ، وإن كان ليس فيه شئ من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك فيه ، وهو الضرب والنفي . وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى أن هذه العقوبة هي مرتبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها عليه ، فلا يقتل من المحاربين إلا من قتل ، ولا يقطع إلا من أخذ المال ، ولا ينفي إلا من لم يأخذ المال ولا قتل . وقال قوم : بل الامام مخير فيهم على الاطلاق ، وسواء قتل أو لم يقتل ، أخذ المال أو لم يأخذه . وسبب الخلاف : هل حرف أو في الآية للتخيير أو للتفصيل على حسب جناياتهم ؟ ومالك حمل البعض من المحاربين على التفصيل والبعض على التخيير . واختلفوا في معنى قوله : * ( أو يصلبوا ) * فقال قوم : إنه يصلب حتى يموت جوعا ، وقال قوم : بل معنى ذلك أنه يقتل ويصلب معا ، وهؤلاء منهم من قال : يقتل أولا ثم يصلب ، وهو قول أشهب ، وقيل إنه يصلب حيا ثم يقتل في الخشبة ، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون ، ومن رأى أنه يقتل أولا ثم يصلب صلى عليه عنده قبل الصلب ، ومن رأى أنه يقتل في الخشبة فقال بعضهم : لا يصلي عليه تنكيلا له ، وقيل : يقف خلف الخشبة ويصلي عليه . وقال سحنون : إذا قتل في الخشبة أنزل منها وصلي عليه . وهل يعاد إلى الخشبة بعد الصلاة ؟ فيه قولان عنه ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يبقى على الخشبة أكثر من ثلاثة أيام . وأما قوله : * ( أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلا ف ) * فمعناه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجل اليمنى . واختلف إذا لم تكن له اليمنى ، فقال ابن القاسم : تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى ، وقال أشهب : تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى . واختلف أيضا في قول : * ( أو ينفوا من الأرض ) * فقيل : إن النفي هو السجن ، وقيل : إن النفي هو أن ينفى من بلد إلى بلد فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته ، وهو قول ابن القاسم عن مالك ، ويكون بين البلدين أقل ما تقصر فيه الصلاة ، والقولان عن مالك ، وبالأول قال أبو حنيفة ، وقال ابن الماجشون : معنى النفي هو فرارهم من الامام لإقامة الحد عليهم ، فأما أن ينفى بعد أن يقدر عليه فلا ، وقال الشافعي : أما النفي فغير مقصود ، ولكن إن هربوا شردناهم في البلاد بالاتباع . وقيل : هي عقوبة مقصودة ، فقيل على هذا ينفي ويسجن دائما وكلها عن الشافعي ، وقيل معنى * ( أو ينفوا ) * : أي من أرض